الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
329
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
من خردل دققته دقّا ، ثم ضربته بالماء حتى إذا اختلط ورغا ، انتهزت منه برأس إبرة نهزة ، ثم قال عليه السّلام : فيكفيك من هذا البيان قليله وأنت بأخبار الأمور تصيب وفي بصائر الدرجات مسندا ، عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول : " إنّ من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا عبد مؤمن ، قلت : فمن يحتمله ؟ قال : نحن نحتمله " . وفي بعضها قلت : " فمن يحتمله جعلت فداك ؟ قال : من شئنا " . أقول : قد دلّ حديث أبي بصير على أن علومهم عليهم السّلام لا تكاد تعقل ، فإنه إذا كان ما ذكره عليه السّلام من السماوات بما هي وسيعة وكبيرة بالنحو المذكور ، والهواء والظلمة والأرض بعضها في بعض بالنسبة إلى علم الإمام عليه السّلام كمثل لعقة تؤخذ بالصبع من المدّ المدقوق المضروب بالماء فهذا ما أقله ، فالمقيس بما هو كثير من السماوات وغيرها ، قد قيس على هذا المقيس عليه لبيان القلَّة ، فكيف حينئذ يمكن تصور علم الإمام عليه السّلام بما هو هو في واقعه ، فضلا عن علمه تعالى الذي كان علم الإمام بالنسبة إليه كنسبة اللعقة المذكورة بالنسبة إلى السماوات وغيرها ؟ ثم إن ما في حديث أبي الصامت من أنه لا يحتمل علمهم غيرهم ، قد دلّ على أن لهم علما يختص بهم عليهم السّلام وهو مقام ولايتهم الكلية الإلهية ، الذي لا يحدّ كما في بعض الأحاديث ، وكيف كان فقد دلَّت هذه الأحاديث على أنّ لهم مقاما من العلم ، الذي هو أصل كل كمال وشرف لا يكون لغيرهم ولا يشاركهم فيه أحد . وفي البحار ( 1 ) ما رواه في أن معرفته بالنورانية معرفة الله ، إلى أن قال عليه السّلام : " اعلم يا أبا ذر أنا عبد الله عز وجل خليفته على عباده ، لا تجعلونا أربابا ، وقولوا في فضلنا ما شئتم ، فإنكم لا تبلغون كنه ما فينا ولا نهايته ، فإن الله عز وجل قد أعطانا أكبر
--> ( 1 ) البحار ج 25 ص 385 . .